ذات صلة

جمع

مبابي وفينيسيوس يثيران الجدل بعد إخفاء رسالة تضامن مع سبتة.. ماذا حدث؟

مبابي وفينيسيوس يثيران الجدل بعد إخفاء رسالة تضامن مع...

سانشيز يحسم الجدل حول المغرب وأزمة سبتة.. ماذا قال عن اتهامات اليمين الإسباني؟

سانشيز يحسم الجدل حول المغرب وأزمة سبتة.. ماذا قال...

حكيم زياش يفتح صفحة جديدة في البرازيل.. انتقال مفاجئ إلى بوتافوغو حتى 2028

حكيم زياش يفتح صفحة جديدة في البرازيل.. انتقال مفاجئ...

المغرب التطواني يشعل الميركاتو.. 8 انتدابات قوية استعدادًا للعودة إلى قسم الأضواء

المغرب التطواني يشعل الميركاتو.. 8 انتدابات قوية استعدادًا للعودة...

الكرة الذهبية 2026.. غياب رافينيا ورونالدو ومفاجآت كبيرة في قائمة المرشحين

الكرة الذهبية 2026.. غياب رافينيا ورونالدو ومفاجآت كبيرة في...

سبتة ومليلية وفلسطين.. حين تتغير المعايير وتبقى قضية الأرض المغربية مفتوحة

سبتة ومليلية وفلسطين.. حين تتغير المعايير وتبقى قضية الأرض المغربية مفتوحة

في عالم تتصدر فيه قضايا الاحتلال وتقرير المصير واجهة النقاش الدولي، تبرز قضية سبتة ومليلية باعتبارها واحدة من أكثر الملفات حساسية في شمال إفريقيا. فمدينتان تقعان جغرافياً على الساحل الإفريقي، وتفصل بينهما وبين الأراضي المغربية حدود برية، بينما تخضعان للسيادة الإسبانية منذ قرون.

وهنا يطرح السؤال نفسه: هل يمكن الحديث عن رفض الاحتلال والدفاع عن حقوق الشعوب في منطقة من العالم، بينما تبقى قضايا إقليمية أخرى معلقة بسبب اختلاف الحسابات السياسية والتاريخية؟

المقارنة بين فلسطين وسبتة ومليلية ليست مطابقة من الناحية القانونية أو التاريخية، لكنها تفتح نقاشاً مهماً حول مبدأ ثابت يفترض أن يكون واحداً: الأرض والهوية والتاريخ وحقوق الشعوب لا ينبغي أن تخضع لمعيارين مختلفين بحسب موقع القضية أو قوة الأطراف المتنازعة.

سبتة ومليلية.. جغرافيا إفريقية وتاريخيا

تقع سبتة على الساحل الشمالي لإفريقيا عند مدخل مضيق جبل طارق، بينما تقع مليلية شرقاً على ساحل البحر المتوسط، وكلتاهما متصلتان جغرافياً بالبر المغربي.

لكن تاريخ المدينتين أكثر تعقيداً من مجرد تحديد موقعهما على الخريطة.

فقد سيطرت البرتغال على سبتة سنة 1415، قبل أن تنتقل في سياق الاتحاد بين العرشين البرتغالي والإسباني إلى السيطرة الإسبانية، ثم أصبح بقاؤها تحت السيادة الإسبانية أمراً ثابتاً بعد انفصال البرتغال عن إسبانيا، وهو ما كرسته معاهدة لشبونة سنة 1668.

أما مليلية، فقد سيطرت عليها قشتالة سنة 1497. ومنذ ذلك التاريخ استمر الوجود الإسباني فيها عبر قرون.

هذه الوقائع التاريخية تستخدمها إسبانيا للتأكيد على أن المدينتين ليستا مستعمرتين بالمعنى القانوني المعاصر، بل تعتبرهما جزءاً من أراضيها منذ قرون.

في المقابل، ينظر المغرب إلى المسألة من زاوية أخرى، ويرى أن استمرار السيطرة الإسبانية على مدينتين تقعان على التراب الجغرافي لشمال إفريقيا يمثل بقايا وضع تاريخي نشأ خلال مراحل التوسع الأوروبي في المنطقة.

هل يعني الموقع الجغرافي وحده أحقية قانونية؟

هنا ينبغي التمييز بين الحجة الجغرافية والحجة القانونية.

وجود سبتة ومليلية في القارة الإفريقية حقيقة لا خلاف عليها، لكن القانون الدولي الحالي لا يمنح المغرب تلقائياً السيادة عليهما بسبب الموقع الجغرافي.

وفي الوقت نفسه، فإن المطالبة المغربية ليست وليدة السنوات الأخيرة، بل تعود بصورة واضحة إلى مرحلة ما بعد استقلال المغرب سنة 1956، عندما أصبح استكمال الوحدة الترابية أحد الملفات الرئيسية في السياسة الخارجية المغربية.

ولهذا فإن القول إن “سبتة ومليلية مغربيتان قانونياً وفق قرار أممي” سيكون غير دقيق؛ فلا يوجد قرار أممي حالي يمنح المغرب السيادة على المدينتين. كما أن الأمم المتحدة لم تضعهما ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.

لكن في المقابل، يمكن طرح سؤال سياسي وتاريخي مشروع: هل من الطبيعي أن تبقى أراضٍ تقع على الساحل المغربي تحت سيادة دولة أوروبية بعد أكثر من ستة عقود على استقلال المغرب؟

وهذا هو جوهر الموقف المغربي.

فلسطين.. لماذا تستحضر المقارنة؟

القضية الفلسطينية أصبحت على مدى عقود رمزاً عالمياً للنقاش حول الاحتلال والاستيطان والتهجير وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

لكن وضع فلسطين يختلف قانونياً عن وضع سبتة ومليلية، ولذلك لا يصح تقديم القضيتين على أنهما حالة قانونية واحدة.

ومع ذلك، فإن التشابه الذي يستحق النقاش يكمن في المبدأ السياسي والأخلاقي: هل ينبغي أن تكون حقوق الشعوب في الأرض والسيادة خاضعة للانتقائية؟

بالنسبة إلى المغاربة، فإن استمرار رفع شعار دعم الحقوق الفلسطينية، مع بقاء قضية سبتة ومليلية مفتوحة، يخلق شعوراً بأن هناك قضية وطنية لم تحصل على الاهتمام الدولي نفسه.

وهنا لا يتعلق الأمر بمقارنة معاناة الشعب الفلسطيني بمعاناة سكان سبتة ومليلية، وإنما بالسؤال عن ازدواجية المعايير في التعامل الدولي مع قضايا الأرض والسيادة.

المغرب لا ينسى سبتة ومليلية

منذ استقلال المغرب، ظلت سبتة ومليلية ضمن الملفات المرتبطة بالوحدة الترابية.

وفي السنوات الأخيرة عاد النقاش حولهما إلى الواجهة أكثر من مرة، خصوصاً مع الأزمات السياسية والهجرة والعلاقات المغربية الإسبانية.

وفي أغسطس 2026، جدد مسؤولون مغاربة رفيعو المستوى المطالبة المغربية بالمدينتين، بينما ردت مدريد بالرفض وأكدت أن سيادتها عليهما غير قابلة للتفاوض.

وهذا يؤكد أن القضية لم تختف، حتى عندما تمر العلاقات المغربية الإسبانية بفترات من التعاون السياسي والاقتصادي والأمني.

الجزائر.. عندما تتحول الخلافات المغاربية إلى صراع إقليمي

لكن قضية الوحدة الترابية المغربية لا تتوقف عند سبتة ومليلية.

فالجزائر والمغرب يعيشان منذ عقود واحدة من أكثر الأزمات السياسية تعقيداً في شمال إفريقيا، وفي قلبها قضية الصحراء الغربية.

الحدود البرية بين البلدين مغلقة منذ 1994، فيما قطعت الجزائر العلاقات الدبلوماسية مع المغرب في أغسطس 2021، ثم أغلقت مجالها الجوي أمام الطائرات المغربية في سبتمبر من العام نفسه.

وترتبط الأزمة بصورة أساسية بالخلاف حول الصحراء الغربية، حيث تدعم الجزائر جبهة البوليساريو التي تطالب بإقامة دولة مستقلة، بينما يعتبر المغرب الإقليم جزءاً من أراضيه ويطرح مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها حلاً للنزاع.

ومن وجهة النظر المغربية، فإن دعم الجزائر للبوليساريو يمثل تدخلاً مباشراً في قضية تعتبرها الرباط جزءاً من وحدتها الترابية.

أما الجزائر فتقدم موقفها على أساس دعم حق تقرير المصير، وتؤكد أنها ليست طرفاً في النزاع.

الحدود المغلقة.. صورة تختصر حجم الخلاف

ربما تكون الحدود البرية المغلقة بين المغرب والجزائر منذ أكثر من ثلاثة عقود واحدة من أكثر الصور اختصاراً للمأزق المغاربي.

شعبان متجاوران، تجمعهما اللغة والثقافة والتاريخ والعلاقات العائلية، لكن الحدود السياسية مغلقة، والعلاقات الدبلوماسية مقطوعة منذ 2021.

كما أن الجزائر أوقفت في 2021 حركة الطيران مع المغرب، في خطوة زادت من تعقيد العلاقات الثنائية.

ومن منظور مغربي، فإن هذه السياسات لا تخدم وحدة المنطقة المغاربية، بل تساهم في إبقاء الخلافات مفتوحة وإضعاف قدرة دول شمال إفريقيا على بناء تكتل إقليمي قوي.

المفارقة التي يطرحها المغرب

هنا تظهر المفارقة الأساسية التي تستحق النقاش.

المغرب يؤكد أن الصحراء جزء من وحدته الترابية، ويواجه دعماً جزائرياً للبوليساريو.

وفي الوقت نفسه، يطالب باسترجاع سبتة ومليلية من إسبانيا.

والجزائر من جهتها تؤكد دعم حق تقرير المصير في الصحراء، لكنها ترفض المطالب المغربية بشأن المدينتين الإسبانيتين وتتبنى موقفاً مختلفاً عندما يتعلق الأمر بقضية الأراضي المتنازع عليها مع المغرب.

وهذه التناقضات تجعل منطقة المغرب العربي واحدة من أكثر المناطق التي تختلط فيها مبادئ تقرير المصير بالمصالح الجيوسياسية وحسابات الدول.

القضية ليست ضد الشعب الإسباني

ومن المهم التأكيد على أن المطالبة المغربية بسبتة ومليلية لا تعني بالضرورة عداءً للشعب الإسباني.

فالمغرب وإسبانيا تجمعهما علاقات اقتصادية وأمنية وإنسانية واسعة، كما أن آلاف المغاربة يعيشون في إسبانيا، وهناك مصالح مشتركة في التجارة والهجرة ومحاربة الجريمة والتعاون الاقتصادي.

ولهذا فإن أي نقاش جاد حول مستقبل المدينتين ينبغي أن يكون قائماً على الحوار والتفاوض والوسائل السلمية، وليس على خطاب الكراهية أو المواجهة.

التاريخ لا يموت.. لكنه لا يحسم وحده النزاعات

يُظهر تاريخ سبتة ومليلية أن الحدود السياسية في شمال إفريقيا لم تكن ثابتة دائماً.

مرّت المنطقة بحضارات وقوى سياسية مختلفة، من الرومان إلى الدول الإسلامية ثم القوى الأوروبية، وتغيرت موازين القوة والحدود عبر القرون.

لكن التاريخ وحده لا يكفي لإصدار حكم قانوني معاصر.

وهنا تكمن صعوبة الملف: المغرب يستند إلى الجغرافيا والتاريخ واستمرارية المطالبة الوطنية، بينما تستند إسبانيا إلى قرون من الإدارة والسيادة والاعتراف القانوني الداخلي والدولي بوضع المدينتين الحالي.

ولهذا فإن الوصول إلى حل نهائي لن يكون بسيطاً.

بين فلسطين وسبتة ومليلية.. المطلوب معيار واحد

لا يحتاج المغرب إلى نسخ تجربة أي قضية أخرى حتى يدافع عن مطالبه.

كما أن دعم فلسطين لا يفقد معناه لأن المغرب لديه قضية إقليمية خاصة به.

لكن السؤال الذي يستحق أن يطرح على المجتمع الدولي هو: هل يمكن فعلاً بناء نظام دولي يقوم على احترام سيادة الدول وحقوق الشعوب، بينما تختلف طريقة التعامل مع القضايا بحسب التحالفات والمصالح؟

بالنسبة للمغاربة، ستظل سبتة ومليلية جزءاً من الذاكرة الوطنية وملفاً مرتبطاً بفكرة استكمال الوحدة الترابية.

أما الطريق الواقعي لمعالجة القضية، فيظل في الدبلوماسية والحوار والتفاوض والضغط السياسي السلمي، بعيداً عن التصعيد.

وفي نهاية المطاف، فإن قوة أي قضية وطنية لا تقاس فقط بحدة الخطاب، وإنما بقدرتها على الجمع بين التاريخ الموثق، والحجة السياسية، والقانون الدولي، والدبلوماسية، واحترام حقوق السكان الموجودين على الأرض.

فإذا كان العالم يريد فعلاً أن يجعل مبدأ تقرير المصير ورفض الاحتلال قاعدة عامة، فإن المطلوب ليس تطبيقه على قضية وتجاهله في أخرى، وإنما بناء معايير واضحة ومتسقة تنطبق على الجميع.